صلاح مصطفى حسن يكتب: الله وحده يعلم قدر حزني علي وفاة الشيخ محيي

كنت قد تلقيت اتصالًا هاتفيًا مساء الأربعاء الماضي من مركز جراحات العيون، أخبرتني فيه مساعدة الطبيب أنه تم تحديد صباح اليوم التالي “الخميس” موعدًا لإجراء عملية الـ PRK customized لعلاج وتصحيح بعض عيوب الإبصار.

بالفعل ذهبت إلى المركز وأخبرني الطبيب أن هذا النوع من العمليات تحديدًا رغم أنه آمن جدًا للعين إلا أنه مؤلم جدًا خاصةً في الأيام الثلاثة الأولى بعد إجراء العملية، أعطاني بعض التعليمات والنصائح :

مفيش موبايل، مفيش تليفزيون، اوضة ضلمة تلتيام، نضارة شمسية ليل ونهار، رؤية ضبابية وشبورة، ألم شديد هيقل تدريجيًا، عينيك هتدمع كتير،،

أثناء ذلك اتصل بي صديقي الذي أخبرته أنّي ذهبت لإجراء العملية،

سألني: يعني كدا مش هتنزل البلد؟!

أنزل ليه؟!

عشان الموتة دي !

مين اللي مات ؟!

انت متعرفش!

يا عم انطق مين اللي مات؟

الشيخ محيي ،،

أنهيت الاتصال مع صديقي وتأكدت حينها من صحة كلام الطبيب،، عينيك هتدمع كتير !

في لحظة ثقيلة شديدة الوطأة، ذهبت بذاكرتي بعيدًا، مكانًا وزمانًا، ذهبت من حيّ المهندسين بالجيزة إلى قريتي”بُرطباط” بالمنيا، ومن شاب عمره 29 عام في أكتوبر 2017 إلى طفل في السنة الرابعة من عمره عام 1992 عندما ذهبت وحدي إلى الكُتّاب لأول مرة

أذكر جيدًا ما قالته أُمّي: لو تُهت ومعرفتش تيجي لوحدك ماتخافش، قول احنا بيتنا عند بيت الشيخ محيي وهيوصلوك لحد هنا!

منين البوتاجاز دا يمّاه؟

من عند الشيخ محيي

طب والتلاجة دي؟

من عند الشيخ محيي

طب والفرن؟ والغسالة؟ والمكوة و و ،،،

دائمًا إجابة وحيدة،، من عند الشيخ محيي!

يجري بلال ابنه بسرعة: صلاح قول لأمك تعالي كلمي بسرعة، حسن أخوك بيتصل من ليبيا، احمد ورضا بيتصلوا من مصر،، على تليفون الشيخ محيي!

ينادي الميكروفون ،، محصل النور موجود عند الشيخ محيي ، يا ولاد الحلال ،، اللي وقعت منه فلوس حد لقاها وموجودة عند الشيخ محيي ! في لحمة وبطاطين هتتوزع لأمهات الأيتام عند الشيخ محيي !

فول الغلابة ف رمضان من عند الشيخ محيي

كولدير الميه الساقعة عند الشيخ محيي

كنت طفلًا لا أدرك طبائع الأشخاص ، لكن اسم الشيخ محيي ارتبط عندي بكل ماهو جميل ومفرح

كبرت، وأدركت عن شخص الشيخ محيي ما لا أستطيع ذكره مهما اجتهدت!

كافل الأيتام والأرامل ، أخو الفقراء والمساكين، حبيب الغلابة ،، البسيط الكريم الخدوم الهادىء المكافح العصامي المبتسم عفيف اللسان

والله حتى الضحك وخفة الدم كان دمه خفيف جدا بالفطرة ،، لدرجة انه لما يحتاج حد وميلاقهوش كان بينده عليه ف الميكروفون ،، أذكر مرة كان بيدور على بلال ابنه، وبلال كان شقي جدًا وهو صغير ، فتح الميكروفون وفضل ينده عليه لحد ما زهق

قال ” مين يجيبلي بلال واديله نص البيت ” 😊

الرجل الذي تحمّل الكثير من الظلم ،، أقوالًا وأفعالًا

سمعت بأذني ورأيت بعيني،، لكنه لم يُغيّر ولم يتغيّر !

تم اعتقاله اكثر من مرة، حُكم عليه ظُلمًا بالمؤبد ، أُجبر على بيع أرضه وتصفية مشاريعه وترك بيته وأهله وبلده ،،، إلى أن مات بعيدًا عنهم !

لا بأس عليك بعد الآن ، فأنت عند الحكم العدل ،، وعنده حتمًا سيجتمع الخصوم ويأخذ كل ذي حقٍ حقه ،،

عهدته أبًا وجارًا بارّاً فاضلًا ليّنًا

رحم الله الشيخ محيي وجعل أعماله وأدبه وخيره وكرمه وكفالته ورعايته للأرامل والأيتام والظلم والسجن والمرض في ميزان حسناته

الله وحده يعلم قدر حزني على الشيخ محيي

رجل بلد ، رجل عظيم ،، على مثله يكون الحزن ولمثله يكون الفقد والألم ،،

أعزّي نفسي وبلدي فيه ،، وخالص العزاء لأهله و لأولاده اخواتي واصحابي ،،

ترك لكم أبوكم ميراثًا عظيمًا ،، “وكان أبوهما صالحًا”.

رجل قلّما يجود الزمان بمثله،،

الآن يتأكد كلام الطبيب مجددًا ،، عينيك هتدمع كتير !

لكتابة مقالك راسلنا من هـــــــنــا 

تعليقات الفيسبوك